رحلة

أما الأجمل هو ان أكتب عن رحلة أعتبرها محطة جميلة في حياتي وذكرى أنجبت عندى روح الكتابة ...رحلة امتزجت فيها خلائط من الأصالة والتراث السودانيين وصفاء النفس والهواء ،وجمال الطبيعة والإنسان في بوتقة واحدة صنعت رحلة وصنعت تلك الأيام الجميلة في ولايات الشمال ،ومناطق الشايقية منها على وجه الخصوص ،ومنطقة القرير على وجه أخص ...والعامراب على قمة الخصوصية
ساكتب عنها عبر محطات سأتناول تفاصيل هذه المحطات بشئ من التفصيل غير الممل والدراما الواقعية .
المحطة الأولى : القرير
بدأت الرحلة كئيبة رتيبة كعادة اي رحلة بعيدة ،ولكنها كانت تحمل الأشواق والأماني بإجازة ممتعة على طياتها وبين مقاعد المركبة ..خصوصا عن منطقة لطالما سمعنا عن جمالها .
ركاب الحافلة كانو قلائل الى حد كبير ليس بينهم امرأة ..حفنة من الشباب تحمل وجوههم علامة واحدة ورائحة واحدة مزيج بين طيبة القرية ورائحة النخيل وعبارات ترحيب صامتة بوجودنا انطلقت من عيون اصحاب المنطقة غير الزوار ...وسرعان ما تداخلت العبارات الجهرية بيننا وأصبحنا كأننا نعرف بعضنا منذ امد .
قلت الكآبة قليلا الى حد ما ولكن كان الشوق يحرك لهب الملل والعجلة ، فكثرت الأسئلة عن الزمن المتبقي واين نحن الآن وبنوصل متين ...الخ.
بعد وصولنا الى منطقة قنتي أو الى الملتقى كما سميت حديثاً،مررنا بعدّة قرى ونحن نشق طريق التراب ونحمل قساوة التشوق الى الوصول .
وما أن دخلنا تلك القرية (المدينة ) حتى بدأت الصورة الخيالية عنها تأخذ مكانها في أرض الواقع .فعبق النخيل وسحر الرمال الذهبية وشكل البيوت وكل شئ كل شئ كان يبرز لنا مفاتنه ترحيبا وإكراما لهذه الأجساد الغريبة ،اما أقل الناس ترحيباً وسعادةً بنا فهو سائق الحافلة والذي يطلق عليه مجازاُ (يحي الماهل )لشدة تمهله في القيادة ،فكانت كثرة الأسئلة والتزمر من طول الطريق خصما من رصيد الترحاب وحركت فيه ضجر تجاهنا و(مساخة) فطرية في هذا (الجنس ) ،المهم أننا وصلنا ألى مقصدنا حيث الإستضافة تنتظرنا ونزلنا من الحافلة وعبارات الوداع تلاحقنا من ال(كمساري ) ونظرات كل من كان حولنا تلاحقنا بعيون جامدة لا تعبير محدد فيها ،وأجمل ما في الأمر اني أحسست وكأني (سيد بيت )من الوهلة الأولى ..أو احد اعيان هذه المنطقة ...ولا أعتقد ان هذا الإحساس (المشاتر )قد انتقل الى اي من رفقائي .
سرعان ما حضر مجاهد (المستضيف) وسلم علينا بحرارة (أهل بلد ) غير معهودة فيه ،وكأنه يريد أن يقول:((هذا بيتي وهنا تعرفون معدني ))
المهم أننا سلمنا وتبادلنا عبارات المزاح المعتادة مع زيادة قليلة من أثر الفرحة عند الطرفين ...كان مجاهد يلبس ملابس الكورة فعلمنا لاحقا ان ثمة دورة كروية يدور رحاها هناك . دخلنا إلى المنزل وسلمنا على (ودطه) جد مجاهد بدأً ..فكان أول ما فعله (أب رعد)ان أطاح بكأس شاي في الأرض (ملحقو أمات طه ) كبداية غير مبشرة أبدا لأصحاب الأرض فما كان من مجاهد إلا ان اسرع بالتعليق : (من هسة بدينا يا اب رعد) ،دخلنا الى القسم الآخر من البيت الواسع جدا وسلمنا على الخالة إنصاف (أم مجاهد )وآية على اغلب الظن (الأخت الصغرى )
ووصف المنزل كان حدثا يحتاج الى إفراد مساحة خاصة ،على العموم دخلنا في آخر المنزل من بين عشرات الغرف ،وبدأنا في التعليقات الأولى الدالة على انبهار بالمنزل (والله ما شاء الله يا مجاهد دي ما حلة كاملة هسة ) وهنا أخرج اب رعد عقدته المميزة للفضاء ان قال ..(والله تعرس هنا ..يا سلاااااااااااااااااام )!!!! وسرعان ما توافد إلينا شباب ،أصبحو فيما بعد بمثابة أصدقاء لا اذكر منهم الآن إلا هاشم وعمر ..شابين على النقيض تماماً في كل شئ ..ولكل مميزاته التي تغلف شخصيته..وكانا يتقاسمان مع الباقين ميزة واحدة هي قاسم مشترك بين كل اهل المنطقة على ما يبدو وهي طيبة وأصالة اهلها .. سرعان ما حضر الطعام مما يؤكد جاهزيتهم المسبقة لنا أو انهم في حالة استعداد وجاهزية دائماً(استاند باي)..وهنا استرقت النظر الى عيون مينو فإذا بها تلمع وتتلألأ كمن وقعت يده على فريسة لطالما انتظرها لساعات ..أما أب رعد فلا جديد في مشاعره تجاه الطعام طبعا ..!!!!
كنا متعبين لدرجة كبيرة ،وكنت أصر على الخروج دونما إضاعة زمن في راحة ..!!!،كانت المحطة المنطقية وقتئذٍ حسب جغرافية المنطقة هي النادي ،وهذا ما كان ودخلنا فإذا بقوم يلتحفون جميعهم الجلاليب والطواقي وهو ما ذاد من ارتياح لي داخلي .وقد وجدت عددا من الشباب كنت أعرفهم من الخرطوم عن طريق مجاهد ،سلمنا وتبادلنا عبارات الترحيب وكثيرا جدا ما سمعت عبارة ((انشاء الله البلد ترحب بيكم )) وهي عبارة إفتراضية ثابتة ..مما يؤكد ترحيب هؤلاء الناس وسعادتهم بالضيف .
لعبنا الكوتشينة ودردشنا ورجعنا وكان التعب قد أخذ منا كل مأخذ . وفي طريق رجعتنا تعرفنا على اهم معلم سياحي في المنطة وهو( قوز ام شديرة) وام شديرة لقب اطلق على القوز باعتبار ان فيه شجرة لم يزرعها احد ولم يسقها أحد بل قامت بمحض ارادتها ..وكثرت حولها الإشاعات..وهو المحل الوحيد الذي يتثنى لك فيه استخدام الهاتف الجوال لارتفاعه
كنت أشعر بسعادة حقيقية انستني تعب الرحلة وطوت عني بعدها وكان شعور الإنتماء يخالجني ولا يبارح أعضائي ..تمددنا وبدأنا ونسة آخر اللييل وسرعان ما اقتصرت الونسة بين شخصين بعدما تعالت في الأفق اصوات شخير مينو وأب رعد...وواصلنا سمرنا حتى ساعة متأخرة من الليل .
المحطة الثانية : (محطة المفاجآت)
استيقظنا في منتصف النهار بطبيعة الحال تحت طأطأة الصينية وكأنها تردد هلمو هلمو ..على اي حال تبادلنا الأدوار في الغسيل والحمام وجلسنا لتناول الطعام وحولنا عدد من الشباب لم أتبين ملامحهم وقتئذٍ .على العموم تناولنا الطعام وكنا على موعد غداء بمناسبة زواج حسب البرنامج الموضوع من قبل اللجنة المنظمة!!! وكان حضور المناسبة مهما بالنسبة لي لما فيها من تقاليد وثراث جميل خاص بالمنطقة والطابع المختلف عن مناسبات الزواج في العاصمة ،وبعد زمن قليل دخل عدد من الشباب ومعهم كوتشينة وعلمت لاحقا انهم حكام حضرو من الخرطوم خصيصا لإدارة الدورة الكروية الدائرة هناك ،كانت الوجوه كلها ضاحكة مستبشرة لا غبرة عليها رغم الرمال ،لعبنا وضحكنا حتى أتانا المنادي ينادي بالإستعداد للمناسبة فقمنا جميعا وكنت السباق الى الحمام وبعد خروجي اذا بماجهد مصفر الوجه وهو كظيم يسألنا هل سمعتم بالوفاة ؟؟!!! كان وقع السؤال نفسه كبيرا علينا ولم يكن أحدنا قد سمع من قبل ،هنا فقط شعرت ان هناك (كج ) في أحد ثلاثتنا (محمد ،احمد ،محمد) وهنا أيقنت ان موضوع الحفلة قد صار سراباً ممحوقا،ووجدت نفسي أسأل مجاهد بعفوية:
(هل ستلغى الحفلة )؟؟ وكأن الجميع كان ينتظر إجابة على هذا السؤال !!! فكلهم تهيأ لسماع الإجابة وعلامات اليأس عليهم بادية من سماع إجابة تسرهم ...وكانت إجابة مجاهد مقتضبة بطيعة الحال ((والله أظن كدا )) فكان السائد في القرى طبعا أن الحزن يطغى على الفرح ويعرقل مسيره ..بعدها علمت أن المتوفى (رحمه الله ) كان معلول العقل وكان وحيداً ،المهم قررت أن أذهب في التشييع مع جهلى الكامل بأهل المتوفى ..اللهم إلا ناس مجاهد والصحبة المرافقة ..ولكني قررت الذهاب ..ربما سعيا لأجر المناسبة ..مع ان كلا من أحمد ومحمد لم يتحرك قيد أنملة من مكانه .كنت وأنا في الطريق إلى المقابر أشعر بيقين غريب من أن الحفلة قائمة لا محالة مع أن المقام لا يسمح بالتفكير في هذه الأمور غير ان الشيطان هيأ لي الأمر ليخرجني من جو الوفاة التي هي بمثابة تذكير للإنسان بالموت ..على العموم كان التفكير في الموضوع ذاك لا يبارح عقلي إلا لفترات متقطعة لا سيما وأن المسافة إلى المقابر بعيدة .كانت قدماي تغوص في الرمال بطبيعة الحال ولكني كنت أشعر بسعادة جراء هذا الأمر . الرمال ..النخيل ، بيوت الطين الواسعة ، وجوه تحمل براءة الأطفال وجدية العسكر ،أحاسيس داخلية مبعثرة وأفكار ورؤى ..كلها كانت في موكب التشييع ..لا عوادم سيارات ولا زمامير (بوري ) ..ولا كل دواعي الضيق لم تكن تحوم حولنا إلا حزن الكوت ذلك ..قطعنا مسافة عشرين دقيقة مشياً حتى بلغنا المقابر ،كانت بالقرب من ميدان الكورة لا سور يفصل بينهما ولا حاجز وقفت أتابع عملية حفر القبر باهتمام وكنت في مقدمة الوقوف ، محاولة اقناع نفسي بأني جزء من هذه البلدة لم تتوقف لذلك كانت تنعكس على مجمل تصرفاتي ، بأي حال وقفت أتابع عملية الحفر وكان القائمين على أمر الحفر ذوي همة ونشاط شديدين وكان الصكت هو سيد الموقف الأمن بعض الحديث الجانبي أو ما يتعلق بالحفر ،انتهت عملية الحفر وصلو على الجنازة ،في هذه اللحظة عاودني خيال الحفلة ويقيني الخادع (الشيطاني )بقيامها.. أحضروا الجنازة بالقرب من القبر تمهيداً لإنزالها الى مثواها الأخير ..وهنا صحت في الجماعة : (الفاتحة يا اخوانا ) فردد الجميع ..(الفاتحة ..الفاتحة ) وعيونهم حبلى بسؤال يتعلق بهذا الشخص ذو الملامح (الخرطومية ) حملت الجنازة لحظة الإنزال حتى رقدت بسلام في (ود الأحد ) وانتهت عملية الدفن وانفض السامري وكان المغيب قد أوشك على الهبوط ،وسألني مجاهد لحظتها (يا زول انتا كنتا وين ؟؟) فأجبته ..وبعد السخرية مني سألني عن عبارة ينتهي العزاء بانتهاء مراسم الدفن إن كانت قد قيلت من قبل أهل الميت ..فأجبته نفياً.فكانت الإجابة هي المسمار الأخير على نعش احتمال قيام الحفلة .عدنا أدراجنا إلى البيت وكان مكتظا بالشباب الحزينين على الموت ، موت الرجل والحفلة ..ولسان حالهم يقول (الحي أيقي من الميت ) ولكن لا جدال مع عادات القرية وتقاليد أهلها .
كانت هناك مباراة في نفس اليوم على بطولة الأمم الأفريقية بين تونس ونيجيريا وكان كل الحاضرين يتعاطفون دون سبب محدد مع الفريق النيجيري رغم الشراكة في الهوية عند أهل الشمال عموماً بل حتى طغيان الهوية العربية على الأفريقية إلا أنهم تناسوا بعمدٍ أو بغير عمد طغيان الهوية العربية علينا في المباراة ،فكانو عصبيين في تشجيع (النسور المهاجرة ) كما يطلق على أهلنا الفلاتة ،بدأت الأعصاب تهدأ قليلا بعد انتهاء شوط من المباراة ..فذهبنا بهواتفنا إلى قوز أم شديرة (دار الهاتف ) وأجرينا بعض الإتصالات بالأهل والأصدقاء في الخرطوم جلسنا جلسة سمر -في ذلك المكان الرائع روعة القرى- بضع دقائق وكنت أدفن إحتمال الحفلة على نفس المكان متخلصا منه بصورة نهائية .
بعد المبارة التي خرج منها المنتخب النيجيري خاسرأ وخرج منها الجميع وهم يشعرون بالحزن على فراقه وجلسنا على مائدة الكوتشينة ولم نض وقتا دونما عمل معين ..استيقظنا (ظهيرة الخميس ) بطبيعة الحال وتناولنا إفطارنا (الغدائي) وكنا مع مباراة أكثر حماسا من سابقتها ولكنها كانت بين أهل المنطقة وتجمع العامراب بالقلعة وكان معظم لاعبي العامراب من الأصدقاء الذين تعرفنا عليهم وعلمت ان المباراة في إثارتها تشابه
(هلال –مريخ) وكان هو الحدث الأهم في أجندة ذاك اليوم .بعد الإفطار قررنا النزول إلى النيل حيث المشروع والخضرة وجمال الطبيعة فنزلنا ودخلنا على البيارة الحديثة وتفقدناها كأننا من القصر الرئاسي ،علقنا ما شاء لنا التعليق ومزحنا بوفرة ..حتى (السكسك) لم تنجو من مرحنا ونحن لا زلنا داخل المشروعثم نزلنا إلى النيل وجلسنا وهنا بدأت أشعر بخفقان سريع كعادتي عندما أجلس بمحازاة النيل وكأني أجلس إلى معشوقة أهيم بها حباً ولا أستطيع مجاهرتها بما يدور في خوالجي ،وسرعان ما راودتني رغبة جنونية عارمة في معانقة تلك المحبوبة الساحرة والإنضام لها في بوتقة واحدة ،وبسرعة تجردت من ملابسي ورحت أعانقها بحب وهيام عجيبين وأسبح بجسدي وخيالي معها وبها وأفرغ في في أحشائها كل أشواقي المكبوتة من زخم العاصمة وجفاء نقائها ،ورغم حرارة إستقباله (النيل ) إلا أن مياهه كانت باردة لدرجة شلت حركتي فقررت الخروج_ وكان مجاهد قد سبقني دون وعي مني إلى القفز في الماء وكان في باله أني طالما اتهمته بأنه لا يعرف السباحة وإنو جبان وإنو ..وإنو..
فكان لزاماً ان ينفي كل التهم فسبقني سابحا في الماء _وعندما خرجت وجدت الجميع قد تجردو من ملابسهم تأهباً لملاقاة هذه المحبوبة التي تسع الجميع وتجذبهم ،وهنا جال بخاطري شعر التجاني يوسف بشير وهو يحكي عن روعة النيل في أبياته:
يا نيل لم تحبس لإنسان *** يخفق من جنبيك قلبان
في شاطئ أخضر مستبشر *** مبارك الربوة ريان
مشى بغراير على زهوه *** وطوق البلح نسيان
كقبلة سكرى سماوية *** تهبط في وجنة نشوان
راودتني الأبيات وأنا أنظر إلى الشباب وقد تلاشى ترددهم بعد أن قفزت للمرة الثانية إلى باطن النيل فتقافزوا كأنهم ضفادع عطشة ورحنا نصرخ ونصيح ونمرح ونلهو وتكاد الدنيا لا تسعنا كالسكارى فعلاً ..سبحان الله ما أعظم الماء والنيل ,يبعث في النفس السعادة ولا يأخذ منها وكأنه يطيع المولى عز وجل في قوله ((وجعلنا من الماء كل شئ حي )) صدق الله العظيم .فأحينا فينا الروح الساكنة وأحيا العقول ،نقىّ وطهّر وتجلت قدرة الله فيه في لحظات قليلة خرجت من المياه وكأني أخرج إلى الدنيا لأول مرة نظيف من كل شئ ،رجعنا ونحن نشق النخيل نتمايل يمنة ويسرة من أثر سكر الطبيعة لا التمر وصادفنا (مزيرة ) في طريقنا فتوقفنا وشربنا من ماء نقى له طعم الحياة ونكهةالصدق ورائحة النخيل ، واصلنا إدبارنا وكنت أسلم على كل من يصادف سيرنا دونما سبب واضح ،رجعنا البيت وسرعان ما راح مجاهد يرتدي أواعي الكورة وكان الوقت ما زال مبكراً حيث لم تتجاوز الساعة الثالثة ...فقال أنهم يجتمعون في النادي قبل كل مباراة ...واتفقنا على أن نذهب إلى الملعب برفقة هاشم بعد تناول الغداء .كنت أشعر بأن لا أهمية لأن يبقى هاشم معنا فقط ليقودنا فقد عرفت طريق الملعب من المقابر .
جلسنا للونسة كالعادة ودخل علينا شاب إسمه أكرم ،كنت أول مرة أقابله ،بدأنا في لعب الكوتشينة من جديد حتى أتانا الغداء على حين غرة ،تناولنا الوجبة وتأهبنا للخروج حيث الحدث الأهم في هذا اليوم (المباراة ) .وصلنا الملعب فألقيت نظرة على المقبرة السالفة نظرة غير ذات مضمون أو معنى ربما أنها تلقائية ليس إلا ،وصلنا والشوط الأول في منتصفه ،وكاان فريق العامراب بالزي الأحمر ولباسات بيضاء،والفريق الآخر بالأخضر ،وكان مجاهد بطبيعة الحال على دكة الإحتياطي ،وإن لم يكن هناك دكة في الأصل فالأحرى قول أرضية الإحتياطي .بدأت النظرة الإستقرائية للواقع وللوجوه ، وسرعان ما تشكل لدي يقين أن لعبة كرة القدم في هذه البلاد إنما هي كالأكل والشرب والطمبور تماماً في درجة أهميتها بالنسبة لهم .فجملة مسوغات دفعتني للتيقن من ذلك ..وأهمها إنشداد الناس إلى المابارة كلُ لا يدري من بجانبه والهتاف الحماسي الإنفعالي بين الفينة والأخرى ..وكان منظر اللاعبين في الملعب يثير الدهشة لشدة إخلاصهم في خدمة الكورة والغبار ينتشر فيهم من أعلى رأسهم إلى أخمص أقدامهم والحماس يطغى على الأداء لدرجة لم أرى لها مثيل في أكثر المباريات ندية في العالم !!! الكل يتحرك ..مخالفات بالجملة أعصاب مشدودة ..غبار كثيف يكاد يحجب الرؤية ...وجوه اللاعبين في من الغيرة على الشعار ما يكفي لبناء أمة قوية ذات رسالة خالدة ..حكم في وضع لا يحسد عليه،بطبيعة الحال ،عدد الأطفال في الملعب مقدر وملحوظ،كانت تشكيلة العامراب من الشاب الذين التقيناهم وتعرفنا عليهم ..حتى المدرب كان قد لعب معنا الكوتشينة ..وكان شخصية على قدر من التهذيب كبير ،ومحل احترام جميع اللاعبين ..وبالتالي أعطت هذه العوامل لدي شعلة تشجيع وانحيازية تلقائية عندي لفريق العامراب حاولت أن انفعل كالبقية وأشجع بحماسهم ..وإذا الحال هكذا والمباراة في قمة اشتعالها يحتسب الحكم ركلة جزاء في منتصف الشوط الثاني لصالح فريق القلعة ...تعالت الصيحات المنددة والمؤيدة وارتسمت نصف فرحة على وجوه (القلعاويون) وتهافت الأطفال بالقرب من القائم لموافاة الحدث عن قرب ،هنا فقط تذكرت كلام مجاهد أن أي مباراة تجمع الفريقين (لازم تنتهي بي دم) هنا شعرت بأن ثمة جرح سيزف بعد صافرة الختام ،جرح هزيمة وجرح جلد !!! سجل القلعاويون هدفهم من الركلة ،بعدها حاول أحد لاعبي العامراب ويدعي عمر (عميري ) الخروج من الملعب وهو في حالة هياج وتشنج ويصيح (ما داير كورة ) إلا أن المدرب هدأ من روعه وأعاده إلى الملعب وتسبب فيما بعد بطرده ،وعلمت أنه نفس اللاعب الذي تسبب في ركلة الجزاء التي أفرغت جعبة العامراب من آمالها .أثناء المبارة وفيما تحاول العامراب جاهدة غزو الفريق الخصم يطيح أحد اللاعبين بالكرة بعيدا في اتجاه المقابر وبما أنني كنت أنشد فوز العامراب ركضت مسرعا لآتي بالكرة كسبا للوقت ،وهنا حدث ما لم يكن بحسباني إذ بالأطفال يركضون خلفي ويسيروني بصيحاتهم (فركة فركة فركة ) واستمرت المسيرة حتى عدت إلى الملعب ومعي الكرة وكنت مستعجبا للأمر ..والجميع ينظرون فيي اتحاهي إما ساخراً أو مستنكراً،وبعدما استقصيت من الأمر علمت أن أي مشجع يساعد الفريق بمساعد لوجيستية أو ما شابه يسمى (الفركة ) وهي في معناها أقرب إلى (القواّد)!!! ساعتها كنت أفرك في مخي محاولاً ترجمة ما حدث دون جدوى .إنتهت المباراة ولم يحدث فيها تغيير ولم تنجد فريق العامراب فركتي لهم ..وتدافع الجميع إلى داخل الملعب في فرح عجيب (الطرف الفائز) وتدخل بعض الحكماء لإخراج الحكم المغضوب عليه وتأمينه حتى وصوله إلى السيارة التي ستقله ، ولم تمض لحظات من هذا الوضع حتى اشتعلت شرارة المشكلة كالعادة ،ولا أدري لها سبب واضح ولكن كنت أعرف أن طرفنا فيها شاب صغير يقال له إبراهيم وهو -بعد معرفتي به- شاب طيب ،ولكنها ثقافة المنطقة التي تقتضي قيام المشكلة ،وانتهت سريعا دونما نزيف والحمد لله . كنت لا آبه بالمباراة في حيثيياتها كمباراة بقدر انشغالي هو طبيعة الناس وحركتهم واللاعبين وأداءهم والغبار اللاصق بهم وجريهم خلف الكرة ...إلخ .إذ أنها كانت تبعث عندي بالسعادة كل شئ كان يسرني ،بساطة الناس ،قانعين رافعي رؤوسهم فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون ،على كل أدخلت يدي في جيبي ونحن في طريق عودتنا ..ورحت أسرح بخيالي ولم أعرف أني كنت أسير منفردا إلا عندما أيقظني أب رعد بصرخة مدوية راعدة تلاشت معها كل (تفاكيري ) وانضم الي ،قبيل وصولنا بقليل كان وقت المغرب قد آن ..فاقترح اب رعد علىّ الصلاة في جماعة مع الناس ،فوافقت دونما تردد ..فسألنا عن زاوية للصلاة فدلونا ،ويا عجبي بهذه الأرض ، جلست على الرمال وكأني أجلس على الذهب(سبحان من وهب) وأمسكت بالأبريق أتوضأ بماء صافي نقي كما النفوس هناك ،وقفنا على الرمل نصلى وبعد الفراغ من الصلاة راودني شعور بأن اتمدد على هذه الرمال حتى الصباح وأقلب فيها كيف أشاء ،إلا ان صوت أب رعد كالعادة كان الحكم والقاضي وهو يخرج من بين فكيه (نمشي ؟؟) وقتها تساءلت ماذا لو أحضرت عدد كبير من ( الشوالات ) وعبأتها من الرمال وعدت بها إلى الخرطوم ؟ بالتأكيد سيكون لي ثروة وشئ مميز وجميل ،على قدر جمال هذه الرمال .
عدنا إلى البيت وتجمع عدد من الشباب لا حديث لهم إلا المباراة وسبب الخسارة ،وكانت شماعة الحكم كالعادة تطل برأسها بين الحين والآخر ،وكان الجميع حزين والكل يتحدث والإحباط يضع بصماته على الوجوه ..كنت انقل بصري بين الجميع وكان أشد الناس حزناً وانفعالاً هو محمد (أب داموس )وكان يقترح أن تقدم شكوى ضد الفريق الآخر وكان هاشم يقف في الصف الآخر ليزيد من حرارة النقاش على ما يبدو ،وبما أن شعوري القديم بالإنتماء كان لا يزال يلازمني فقد أدلوت بدلوي في الحديث وشاركت بالرأي لدرجة جعلت ابتسامات (محمد عبد اللطيف) الساخرة تشعرني بتجاوزي لحدود كوني ضيف !! عدنا إلى الفراش وكالعادة تجاذبنا أطراف السمر الليلي وكنت آخر من ينام .وانتهت مع بداية أحلامي محطتنا الثانية لنستيقظ مع محطة جديدة والأجمل فيهم .
المحطة الأخيرة (الخزان)
كان اقتراح الذهاب إلى الخزان في نظري اقتراحاً مقبول جدا ووافقت بدون تحفظ وكنت أصر على تأجيل عودتنا إلى الخرطوم حتى الذهاب إلى الخزان ،ولكن لم أشعر أبداً أنه سيأخذ طابع الرحلة وأن تلك الرحلة ستكون بتلك الروعة وستعلق بالذهن دائماً.
بدأ مجاهد في حشد الشباب إلى الرحلة منذ الأربعاء ومعه هاشم فكانا يدعوان كل من يقع تحت ناظرهما من الشباب الذين عرفناهم والذين لم نكن نعرفهم حتى ذلك الوقت ، وكانت استجابة الشباب السريعة للدعوة ينم عن مدى تقبلهم للضيف وحبهم في إكرامه فمثلو منطقتهم خير تمثيل ، وأروع ما فيها تنظيمها إذ خلا من أي تعقيدات أو عوارض وكأننا نريد الذهاب إلى صديق قريب أو ما شابه ،هذا مع الأخذ بالإعتبار أن منطقة الحمداب (مكان الخزان ) تبعد حوالي ساعة أو يزيد بالسيارة ،فكانت كل العملية تنحصر في الإتفاق مع صاحب (البوكس ) وثلاثة كيلو جبنة وبرطمان مربى وطحنية وثلاثين رغيفة.!!!
فبساطت هؤلاء القوم انعكست على أداءهم السلس الراقي وترحيبهم جعل عملية الرحلة يسيرة وفي منتهى الروعة وكأن لسان حالهم يقول (يا اخوانا التعقيد والجرجرة دي هناك في خرطومكم نحنا ناس قرى ومنظمين) وسبحان الله .
كنا حوالي عشرين شخص على ظهر البوكس المسكين وكان بالإضافة إلى ثلاثتنا ومجاهد من أسعفتني الذاكرة بأسمائهم
هاشم
محمد (ود داموس )
خالد حمد
عامر حمد (شقيقه)
ود حسون
عصام
محمد
عادل
معتز
عبد الرحمن
إبراهيم
أسامة
وخمسة لم اتذكر أسماؤهم ولكن أتذكر ملامحهم وشخصياتهم جيدا ،ركبنا جميعا في ( البرينسة)ولكبر العدد كانت صعبة ..لذا أخذت وقت ليس بالقليل ،تحركنا إلى بيت قريب وأخذنا من صاحبه(الطمبور والطبلة )
اللذان يعتبران عماد الرحلة وأحد دواعي سعادتها .انطلقنا في الشارع الرئيسي ،وكانت سرعة العربة كبيرة لحد ما وسرعان ما بدأ الشباب في الغناء على أنغام الطمبور والطبلة ..وبدأت بعشوائية وسرعان ما انتظم النغم والأداء والأيدي ..وبدأ الطمبور في نثر سحره في أوصال الجميع ،وبدأت السعادة تنهش في جسدي وكلما نظرت إلى الوجوه وجدتها صادقة –بريئة ،تغني واقع وحقيقة تخنرق الوجدان كالسهم لأنها تغني لواقع الجمال والحب وتخفف عن المحزون وتسعد المهموم كأنها قطرات ساحرة نزلت من السماء لتحيل كل شئ إلى سعادة ،كنت جزء من هذه الرواية ،من هذا الحلم أردد معهم وأصفق معهم –مع إنو قالو إنو صفقتي شترة – ولكني كنت أعيش في ذلك الواقع الجميل ولا أبالي بالحاقدين !! كان هذا الطمبور كل حياتهم لا يخرج من واقع كل بيت كأنه الماء أو التمر ،فثلاثتها أقطاب الحياة هناك .رقصت معنا السيارة واهتزت وانحنت حتى أعياها المسير في مرتفع وعر كان علامة الوصول إلى المنطقة المنشودة . تجاوزنا الوعورة لندخل إلى عالم آخر من شكل المدينة الحديثة فانخفض صوت الطمبور لدرجة الكتمان مع انشغال الناس واندهاشهم بما رأى معظمهم هذا المنظر لأول مرة خاصة بعد أن لبست تلك الحلة الزاهية .
فآثار المعمار الحديث والنسق الجميل ومظاهر المدينة الجميلة كانت كفيلة للفت الأنظار وإصغار الأفواه أسفلت وبيوت من طراز رفيع وواحد على بعد خطوات من النيل وسيارات حديثة ووجوه حديثة ،كل شئ لحظتها كان يخلط أنفاس القرية عندنا إلا النيل والنخيل ...ولكن سرعان ما عادت أنفاسنا إلى نسقها بعد نزولنا إلى أسفل على ضفاف النيل وهنا انتابتني أحاسيسي القديمة التي راودتني سابقا ..ولكن هذه المرة لم أعالجها بالسباحة فلم يكن ثمة معقولية في ذلك وإنما عالجتها بالجري دونما وجهة محددة وركضت وركضت وأنا ألتفت تارة يمنة وتارة يسرة وعرفت أن هذا المكان به عناية إلهية خاصة فالمياه والخضرة والهواء كانو ذو خصوصية بارعة من مهندس هذا الكون . وباتو ينادون علي حسب اعتقادي وهم في حالة ما بين الإستغراب والضحك ، المهم أني ركضت حتى شعرت بالتعب فتوقفت فألقيت نظرة جديدة على المحل فكانت عيون الماء كعيون المها بارزة وواضحة وسط الخضرة وجريان المياه ورمال من ذهب ونخيل ،كلها كانت تأخذ بسحرها عقل الإنسان وكأنها تسكره ففكرت في الركض مجدداً ولكن الحكم عندئذٍ كان لقدماي فخذلاني ،فعرفت أني وجدت المحبوبة الأولى عندي ،وعلمت أني أعشقها بلا هوادة وأذوب في سحرها وأجن وأسكر .....(الطبيعة ) هي مفتاح القلب بسحرها ونشوتها وشبابها الذي لا ينضب ،فسبحان من خلق وأبدع وصور في أحسن تقويم ،وتجلت عظمته وجلاله في أرضه ...فخرجت من أفكاري بأصوات تتنادى بعودتى وعلامات بالوجوه بها فهمت السؤال .مرة أخري أخذ الطمبور يقود ركب الفرح كما اعتاد ،وأنا أمارس الرقص الذي لا أجيده بكل حيوية وحب والجميع كان يصفق ويرقص فرحا ونشوة _عدا أب رعد الذي ما استطاعت نشوته أن تحمل جثته الكبيرة إلى الرقص – فرح به تتهاوى كل خصوماتك وتذوب من حرارة تدفقه كل أحقادك فطبيب هذا الكون أعطانا وصفة ميسورة لأمراض مدفونة .
توقفنا عن الرقص والقلب ليس بعد ، وحملنا (سرائرنا) وبضع كاميرات لتوثيق الفرح وذهبنا بحثاً عن ناقل ينقلنا إلى الصفة الأخرى من النيل حيث الخزان تحت التشييد وبعد خمس عشرة دقيقة سيراً أو يزيد وجدنا مرْكِباً يقوده رجلاً طغت عليه الملامح الأفريقية ،وكان فوق الوسط من حيث التهذيب ،فعرضت عليه نقلنا إلى الجهة الأخرى من النيل ،فرفض بحجة أن المركب خاص بوفدي ألمانيا وماليزيا (مهندسين بالخزان) وحاولت الإصرار عليه وكان جاداً في رفضه وعرضت عليه أن ندفع أجرة فأبى باعتبار أنها ليست تجارية ،وعرضت رشوة ،فأبى وأدبر عائداً ،وشعرت في قرارة نفسي بالإرتياح لأمانة هذا الشخص ،فقلما تجد نماذج مشابهة في هذه المواقع ،بعدها قررنا الصلاة إذ أذف الوقت ،وكنت سعيداُ بالوضوء من عين نقية جميلة ،وأسرفت في استخدام المياه كأني بأول عهدي بها ..أقمنا صلاتنا جمعاً وقصراً وأدبرنا عائدين إلى نقطة البداية حيث الخمس عشرة دقيقة والطمبور يفسح لنا درباً من لحن ونغم وكان دائماً سيد الموقف وقائد الركب ظللنا نبحث عن مكان يجمعنا بناقل إلى الجهة المجاورة وكنت أفكر جدياً بالسباحة حتى الجهة المقابلة وعندما جهرت بما كنت أسر ردعوني بدعوى التماسيح فانتهيت ..حتى وجدنا ضالتنا في تجمع من الناس كان لهم نفس الغرض ولم نمكث طويلاً حتى جاء الناقل وهو مركب حديدي بدائي بسيط الفكرة به عدد من المقاعد ومحرك صغير .جلسنا بانتظام صفاً صفا ،وبدأ المركب بالتحرك يشق النيل ،وكنا نحتل المركب بأكمله تقريباً إلا قليلاً ،والسعادة لم تتزحزح قيد انملة بل تمددت بتمدد النيل ،ومن جديد تسيد الطمبور أيضاً الموقف والكلمات تخرج على نسقه جميلة معبرة لا أذكر مما قيل سوى (ست الجمال ) فقد كانت أغنية جميلة وذات مضمون عميق
علطانة يا ست الجمال *** مغرورة يا ست الجمال
مغرورة وعزة نفسي **** أفضل من جمالك بي كتير
والأغنية طويلة وهذا آخر فصولها ،وأغنية جديدة لعبد القيوم فاتني تزكر شئ منها (نومي قريرة في خدرك ) .
وصلت بنا الناقلة إلى الضفة المقابلة ،وبالمقابل وصلت بنا النشوة إلى القمة ونزلنا وكان لوجود الأسر والصحاب من قبائل الشايقية عموماً أثر واضح بالمكان لا سيما وأن اليوم كان جمعة ،أنظار كثير من أولئك الناس كانت تتجه نحونا وأنظارنا كانت تتجه نحو كثير من أولئك الناس ، إحساس غامض قاد خطواتنا إلى حيث مجلسنا ،فرشنا البرش ونفضنا عنه الغبار ، وجلس معظمنا القرفصاء ،أول اقتراح خرج مني –بعد أن هدَل الطمبور طبعاً- بلعب الكوتشينة ،وافق كل من يعرف لعبها وتزمر من هو دون ذلك .بدأ الخلاف مبكراً في من سيلعب (أول قيم)ولم أكن لأتنازل أبداً وأنا المبادر بالفكرة ،جلس منا أربعة وحاول الباقون استخدام منطق (على وعلى أعدائي )،إذ قامو وقرروا عمل جول في المنطقة ليبعثوا الكآبة على اللعبة (يبيخوها)باعتبار (مافي زول بعد القيم)،سرعان ما مللت من لعب الكوتشينة وشعرت في قرارة نفسي بأن القرار الصائب في تلك الأثناء هو التجول في هذه المنطقة ،ولحقيقة الأمر فقد كانت الضفة الأخرى أجمل ومرهفة أكثر من التي بها الخزان ..لا أدري إن كان مجرد إحساس قابل للخطأ والصواب ،أم أنها حقيقة فعلاً،أو لربما وجود الأعمال بالخزان هي التي سرقت من جمال المنطقة ...، المهم تجولت وعاينت الخزان (تحت الإنشاء) باعتباره الحدث الأهم في تاريخ السودان الحديث الجولة أشبعت قليلاً من غريزة النظر والتأمل المتأججة لدي ، ينتابك إحساس ضخم بأن ثمة عمل ضخم سيكون ،لكثرت الآليات والعمالة والرقعة الجغرافية الكبيرة التي يدور فيها العمل وضخامتها ،عمل يدور بسرعة كبيرة وحيوية وعزم رغم الجمعة ... عمل ضخم من الردميات دفنت جزء كامل من النيل تماماً وكأنها عملية تحويل مسار للنيل ، عمليات قص هائلة للنخيل المحيط ،وهو منظر بكل المقاييس مؤلم لولا أن ما يتوقع من هذا الخزان فائدةً -تعود على أهل الشمال والسودان عموماً – تخفف عنك وطأة الحزن على تراث هذه المناطق الممتد لمئات السنين .كانت هناك أيدي عاملة ضخمة جداً ،مهندسون بأعداد كبيرة ،أعمال ردميات واسعة لشق الطرق من كل الإتجاهات ،آليات ،هدير ،والأرض مهاداً والآليات بناءً وكل شئ يتم حسب خطة محددة مدروسة وكانت (همة العمل ) على كل الوجوه وعرق (الإخلاص والوطنية ) ينهدر دونما توقف ،المنظر من الوهلة الأولى يعكس فعلاً ضخامة المشروع ،ولكن لم يكن يوحي بشئ معين حتى تلك اللحظة ،إذ أن العمل ما يزال يعتبر في مراحل التكوين، الجوه الأجنبية (العلوج) ليست قليلة على الإطلاق مما يوحي بإيمان هؤلاء القوم بجدوى المشروع والعائد منه ، كل هذه الخواطر جالت عندي وأنا في حالة توقف كامل دونما حراك اللهم إلا العيون .
لمحت بعض الرفاق وانضممت إليهم وكانوا يتحدثون بحديث لا جديد فيه ولا إثارة فقررت أن أنضم معهم بجسدي فقط وأنفصل بعقلي طالما لديه فرصة أكبر للإستمتاع والتأمل الخفي ...عدنا أدراجنا إلى حيث مفرشنا ومجلسنا ووجدت سيد الركب وقائده (الطمبور ) قد اعتلى عرش الموقف بنغمه المميز ،والناس من حوله يرقصون سرورا،حتى جمع الكوتشينة ما بين الآس والشايب كان يهتز طرباً دونما وعي أو قصد ليؤكدوا على أن تلك الآلة المتواضعة البسيطة إنما تشكل جزء كبير من منظومة حياتهم ،إنضممت إلى الركب (السيادي )وبدأت أصفق مقلداً كالعادة وكان كل تفرق قد عاد أدراجه إلا قليلا ،لحظة تلو الأخرى ...وتوالت اللحظات ...بعدها قررنا ثلاثتنا (محمد2+أحمد)الذهاب إلى النيل للشرب (ونزلنا) فعلاً لنبدأ حملة غزلية به ونحن نجلس بمعيته وكانت جاذبيته لا تقاوم وسحره لا يضاهى وشكل الحجارة الطبيعية داخله تزيد النظر متعة والقلب خفقاناً ،فبدأنا الحديث الممتع الجميل الملائم وعظمة الحدث ،إلا عندما بدأو بالحديث عن النساء كترابط طبيعي بينهن وجمال الطبيعة !!!!،ولم أكن لأؤمن بذلك بطبيعة الحال إذ لم تكن تشغل حياتي أيا من الأجناس البشرية سواء اللطيف منها أو غير ذلك ، فبدأ أب رعد بسرد قصته وبدأ يسبح بخياله بعيداً وهو يتمتم بين الفينة والأخرى : (هسة لو كانت معاي هنا كان الحال يكون كيف؟) ومرةً: (شهر العسل بس انتظرونا هنا ) ومينو يردد عبارات مشابهة فيها إحياءات أقل براءة من أب رعد ..وكنت أحيانا أشعر بالخوف على نفسي عندما يحتدم وطيس العبارات العاطفية عند أب رعد ويذهب عقله بعيداً !! وكنت أضحك له وعليه ،له لشدة تأزم تعابيره والتطور السريع في تقاسيم وجهه ،أما عليه فلأنه وببراءة رهن إكتمال اللوحة الرائعة بوجود المحبوبة وهو ما يقر به الكثيرون ،ولم أكن أؤمن بذلك لهذا اعتبرتها براءة ،ولا أدري حقيقة من هو البرئ ؟؟؟!!! هل فطرة الإنسان تستوجب أن يرهن اكتمال السعادة باكتمال القصص (العشقية) لا سيما وأن اكتمال نصف الدين لا يتم إلا بهن ...، على العموم كان النيل بالنسبة لي أعظم من أن نرهن قيمته بحدث ما،فهو الملجأ للإنسان في حالات الملل واليأس والفرح والسعادة- وحتى الإنتحار أحيانا- وهو ما لا يقاسمه فيه أي شئ.
جالت هذه المناظرة بخاطري في تلك الأثناء في محاولة للدفاع عن النيل العظيم دفاع المحب .كان لونه جميلاُ وهديره جميلاً وكل شئ فيه جميلا ،إذاً سرقنا من الزمن عدة عشرات من الدقائق كانت كافية للإيحاء بأشياء كثيرة للإنسان وكان هاشم يردد بعض الأشعار حيناً فآخر ،قررنا العودة إلى حيث الطمبور يفعل بالناس العجب العجاب وكأنهم ثمالة بل في قمة ثملهم .وجدنا الطعام قد أعد ولم يأخذ من الوقت شيئاً لبساطة فكرته (عيشة بي جبنة بي طحنية ) أكلنا وأخذ هاشم بيدي مقترحاً أن نعمل جولة ثنائية فوافقت ،فابتعدنا قليلاً في خطوات متثاقلة نلتفت يمنةً ويسرة ونتبادل أطراف (الونسة) وبينما نحن نضيع وسط النخيل إذا بصوت موسيقى غربية عالية تنبعث من مكان قريب من حيث نقف فجذبتنا الأصوات واللهقة إلى حيث الحدث فإذا بأناس (عمال الخزان على أغلب الظن) يرقصون طرباً على أنغام الموسيقى رجالاً ونساءً وكانوا جلهم من مناطق جنوب السودان (والموسيقى الغربية كانت كفيلة لمعرفة هذه النقطة) على العموم وقفنا متأملين فيهم وكانت نظرتي (استنباظية ) كالعادة فقرأت في وجوه هؤلاء القوم سعادة حقيقية وطمأنينة يحسدون عليها وثقة في النفس والأرض والنيل ، كان قلة من النسوة منهم يتولون أمر الطهي وهم يتمايلون طرباً ويحسنون صنعاً والكل سعيد ولا أدل على ذلك أنهم لم يشعروا بوجودنا مع أننا كنا في محور دائرة رقصهم بل شاركناهم الرقص أيضاً دونما شعور منهم بأن ثمة غريب في الحفل !!.
لم يكن من الضروري أن تكون شمالياً حتى تعطيك تلك المنطقة بطاقة السعادة الغالية بل تناهى كرم النخيل ليرف بظلاله حتى أقصى أقاصي الجنوب ،بل حتى (الصين) ،هنا فقط تيقنت أن النيل للجميع والنخيل للجميع والرمال للجميع والسعادة للجميع والسودان للجميع ....إلا الطمبور فهو للشايقية فقط دونما حسد ،أدركت أن كل غريب أو قريب من المنطقة يضاهيني السعادة نفسها والتنافس مفتوح لمن يكسب أكثر .عدنا أدراجنا بعد أن شاركنا إخواننا الجنوبيين رقصهم ،مشاركة لم تتخطى حدود المجاملة وبينما نحن في طريق طريقنا إلى الرفاق ،.صادفت زميلة لي في الدراسة وهي من مناطق الشايقية تدعى (زهور) تحمل براءة وجمال الزهور مما كونا لها شخصية ذات طبيعة خاصة يحلو معها الحديث والصمت !! ،وكانت قد أوقفت الدراسة للزواج فسررت جداً في تلك اللحظة للقائها ودار بيننا حديث أذكر منه :
-هيا محماد إزياك
-زهور ..كيف أخبارك
-شنو يا زول الجابك على بلدنا دي هني ؟؟ معا مجاهيد؟ولا شنو القصة ؟
-أي والله يا زهور قلنا نشوف بلادكم دي هنا كيف ..شابكننا سمحة سمحة
-أها لقيت البلد كيف ؟ ما سمحي ؟
-لا والله مافي كلام .
-بالذات بلد ناس مجاهيد دي أمانة ما سمحي
-وإنتي أخبارك شنو مع العرس وعاملة شنو هسي ؟
-والله ياهو تمام التمام ..مشيت أمريكا إجازة كدي وجيت راجعة وجبتا لي ولد ياخي
- ياخي والله ألف مبروك .أها ولقيتي أمريكا كيف ؟؟
-يا زول ها خلّها بس ...
-ههههههه والله كويس ..أها وما راجعة على الجامعة؟؟
- لا لا راجعي قريب كيف الجامعة معاكم ...ومجاهيد وينو ؟
-والله ما بطالة الجامعة ..مجاهد دا قاعد مع الشباب هناك ..محل الطمبور شغال دا
- سلم عليهو وأنا بعمل لي جولة كدي وبمر عليكم تاني
- خير يا ستي ..يلا سلام
-مع السلامة
كانت تلك محاور اللقاء القصير ، كانت تحمل نفس إبتسامتها البريئة ووجهها الجميل الصبوح الذي ازداد اشراقاً وألقا بعد الزواج ..لم يتغير فيها شئ رغم معاناة الولادة أو حتى عنصرية الغرب.
تركتها مبتسماً وعدنا أدراجنا وكان الطمبور في قمة عطائه على يد عامر حمد والطبلة على يد مجاهد ،لدرجة كل من كان في مرمى سمعنا انضم إلينا إما بحواسه أو بجسده لدرجة جعلت المكان مكتظاً ،مما أكد أن الشباب يقدمون لوحة فنية راقية بحواس مرهفة ،لم تتوانى أو نتردد فانضممنا مباشرة إلى دائرة الإبداع و(الصفقة) وكنت أحاول تقليدهم بدقة فأصيب أحيانا وأخطئ أحايين أكثر !!مما حدا ببعض المتفرجة –ولم يكن ضمن الفرقة – بالتعليق قائلاً ((الزول دا من الخرطوم ياخوانا صح؟؟)) وسمعت التعليق وأدركت أني في حاجة إلى تدريب أكثر ،ولم يكن يعنيني الإتقان بقدر ما كانت تعنيني السعادة التي تجليها تلك الحركات البسيطة التي تبدو غريبة في شكلها ولكنها ذات أثر حقيقي في النفس ومصدر سعادة لقبيلة كاملة ربما ولبعض القبائل الأخرى ..
انتهت رحلة السعادة وصمت الطمبور بعد أن أعلنت شمس السماء رحلة الغروب وبدأنا نجمع في حاجيتنا إن كان لنا حاجيات أصلاًً ..بدأنا خطوات العودة ،كان ضوء الشمس الخافت في تلك الأثناء يحيل الرمال إلى ذهب حقيقي ،ولم أتمالك نفسي فتمددت في ذلك الذهب تمدد الموتى ،وأثرت التعاليق والتساؤل مجدداً ،كنت أنتظر مجئ من تخلف خلفنا وأنا متمدد على تلك الرمال ،نظرت إلى أعلى فبانت لي الصورة على حقيقتها ..كل الصورة، السماء كانت صافية وحكت لي القصة وقالت أن النيل والنخيل والسودان والقرية والناس الأكارم وهذه الرمال التي أنت ممددُ عليها هي النفس المطمئنة السعيدة والقلب السليم والطهر وكل شئ كل شئ ....
لم اشعر بعدها بنفسي إلا وأنا على ظهر الناقل ..ملوحاًً بيدي تلويحة وداع قاطعاً له الوعد بالعودة ،وصلت المركب إلى الضفة الأخرى،نزلت وأدرت ظهري وحركت قدماي في خطى ثقيلة تجاه العربة والعقل يعلن أن القصة ستبقى فيه... وهدير الماء يرد تحيتي بأحسن منها وأدركت أني قد وصلت إلى نهاية القصة ..
(قصة رحلة)
مقتطفات من اليوم الأخير
*جلسنا في مساء نفس اليوم مع (ود طه) وتبادلنا الحديث وإن غلب عليه الجانب السياسي ...وقد (حلف) علينا بالبقاء ..بعد أن قررنا السفر في اليوم التالي.
* نام أب رعد مبكراً لدرجة لم يتعشي وهو ما لا يحدث إلا نادراً.
* لم يعير أب رعد ومينو (حليفة ود طه )اعتبار وأصرا على الرجوع في الصباح عكر صفو الجميع قليلا، بينما بقيت على أساس المكوث ليوم إضافي
* تناولنا وجبة غداء مع ود داموس في البيت وأمضينا (ضهرية) جميلة مع الصحاب والكوتشينة .
*المساء كان جلسة (طمبورية ) جميلة جداً.
*رحلة العودة كانت مريحة على عكس القدوم إلا أن الحافلة كانت مليئة جدا من النسوة .
